ناد سلام يـ/تكتب: سيناريو بلا نص

الحياة مسرح استعراضي. لا نختار بها السيناريو، فقط نخضع للمخرج، فقط نؤدي مجبرين. أتذكر ذلك المشهد الذي كنت أكتشف به عُريي، فى أول مصارحة جنسية بيني وبين هذا العُري، عندما قاطعتني أمي صارخة “ما الذي تفعله؟ يا الله!”. لم أكن أدري ما جرمي، ولكن إنتابني خوف المتهمين الأبرياء أمام القاضي، صرخت مترجيًا لا تخبري أبي، فقالت “سيشوي الله جسدك وسيملئه بالجمر والعذاب”. عاد والدي إلى المنزل فأخذته إلى غرفة النوم وأخبرته ما رأت، دخلت فوجدته ببدلته الرسمية ينحب فى الأرض وهي تبكي فى صمت على السرير. لم أدر لماذا تشبعت كواليس المكان بالدراما والخوف! حكوا لي عن جهنم وكيف هي الحياة بعد أن تنتهي الحياة، ولم يعد أمامي خيار إلا أن ألتزم الصمت، أؤدي دوري تحت بقعة الضوء الحارة، خوفًا من سخط المتفرجين، بقيت على خشبة المسرح، أكذب على الجمهور، فيصفق كاذبًا. وبعد سنين عديدة من عبودية السيناريو، قررت أن أخرج عنه

 

الخروج عن النص رقم 1

أسير على حافة الطريق، أتفادى الحجارة التي ترجمني بها أعين الناس، تجلجل أقراط أذني مع كل خطوة، ويرتفع صوت الإكسسوار الرخيص مدويًا، وكأنه الصوت الوحيد وسط الزحام، وكأن الحشود تجمعت لتعري هويتي أمام الملأ: من أكون، وكيف أكون. شوشرة” كطنين النحل عند مروري أمام النساء، وشتائم كلدغ الدبابير، عندما يراني الرجال أجر أقدامي وسط هذا الفضول اللزج الذي يحيط بي.

 في طفولتي لم تشكل لي اللغة عائق كما هي الآن، لم أحتاج قفصًا من التصنيفات أختبئ خلف قضبانه، ولكن كل هذا تغير. كنت طفلًا كثير الحساسية، أبكي كثيرًا، وأتصرف بما قد يسميه البعض “أنوثة”!، لكن لم يكن هذا ما أطلقه عليّ أعمامي وأبي، كنت أسمع كلمات غريبة الوقع، لا أعرف كتابتها، كانت العائلة من ناحية والدي يلقونها علي فى سن الخامسة كالسكاين، بهدف “المزح”، ألفاظ مثل “مخنث” و”خكري”، فيقهقه الجميع إلا أنا. وعندما أعود لأمي لأسألها ماذا يعني أعمامي بذلك، فتعبس وتتعوذ من الشيطان، ولم تخبرني أبدًا حتى دخلت المدرسة الإبتدائية، وبدأ الطلاب ينعتوني بذات الصفات، ففهمت ماذا تعني ويا ليتني لم أفهم أبدًا

 

الخروج عن النص رقم 2

الضحكات والسخرية تنطلق كرصاصة طائشة تكاد أن تمزق أحشائي، فأحاول أن أسير أسرع لبقعة أكثر أمانًا، كي أتفادى الرصاص، لكن السبيل إلى الملاذ يزداد ضيقًا، حتى أشعر بخطوط تفاصيل تهكم كل وجوه المارة توشم على جسدي، وأكاد أسمع عظامي تتفتت توترًا، وتتساقط خلفي على الطريق الوعر، حتى أصل إلى بر الأمان بلا أقدام، بعدما أُنهكت. وعندها لا يتبقى مني شيء إلا حلم جريح، ينزف مصليًا إلى السُحب أعلاه، فتنسكب صلواتي سوادًا على سقف المدينة الأزرق، ويزيح المطر الدماء من على الرصيف، وتراقص الرياح الشجر، ويهمس الرعد للأرض متسائلًا: ما هذا الغضب الذي يملأ  السماء؟! واتسائل أنا: ما سبب تناغم نبضات قلبي مع العواصف؟! ما هذا السلام الذي يغمرني كل ما بكت الغيوم؟! ترتوي التربة حُزنًا، إنها نشوة الألم، نشوة القتال، نشوة كنشوة السيل عندما يشق طريقه خلال كل شيء.

 بعد صراع طويل مع تنمر أسرتي والطلاب والمدرسين، أطاح بيّ الاكتئاب، فأصبحت لا أعرف من أنا إلا من خلال شتائمهم وعدوانيتهم، تناقصت ثقتي بنفسي، ولم أعد قادر على الانسجام مع أي شيء، كقطعة بازل لم يكن لها مكان فوق لوح الأحجية الكبير، فأنا والفرح لسنا أصدقاء، لكنني علمت فى أعماقي دائمًا، أن بي قوة لا تحتويها السماء، وأن على أكتافي حمل سيزيف، وأن كل النيران فى العالم لا تكفي لإسكات غناء الغيث

 

الخروج عن النص رقم 3

هذا الحزن الذي يذكرنا أننا مازلنا على قيد الحياة، المطر للجميع، لا يميز أبدًا، لا يميز لون بشرتي ولا يهمه فقري ولا يتسائل أن كنت فتى أم فتاة، فقط يهطل مُنتحرًا فوق أجسادٍ مهجورة خاوية، لتبعث من جديد، لتزهر ندوبنا قصائدًا وقصصًا، وعندما يصبح الراوي حكاية، فلا تخضع النصوص لأي قواعد، ولا تكفي اللغة لتصوير دموع القلم، فيروي الحبر الحدائق الذابلة، وتتفتح براعم الكلام، وأنهض من جديد

. تعلمت كيف أن أقول لا، وكيف أعترض وأقاوم كل الوحوش التي تفوقني حجمًا وعددًا، غيرت لون شعري، وثقبت أذناي، وجهرت بخنوثتي في وجه كل الرجال، فغضب الجميع، غرباء الشارع، وأمي، وأبي، اليوم أكون أنا! بلا سيناريوهات معدة مسبقًا، أوكليشيهات في صورة بشر، فلا ألقي بالًا لجمهور، ولا تحتجزني قضبانًا لا مرئية

 

الخروج عن النص رقم 4

أجري مقتحمًا حواجز الرفض والإقصاء، مبحرًا من جديد، تتكسر الأمواج فى مواجهتي، وأقف فى وجه الفيضان معلنًا الحرب، فينثر شظايا الماء على روحٍي المشتعلة فتصبح رمادًا، ويولد من رحمها طائر الفينيق. وفوق حطام الأمس، أشيد منارة تطل على مدن غزاها التشتت، حتى صارت يابستها بحرًا، وأصبح بحرها جفافًا بلا سفن، أو موانيء، أو وطن، فقط مقاومة أو غرق، حتى تنتهي العاصفة وتشتعل الشمس من جديد

لا أدوار بعد الآن ولا تمثيل ولا نص

فقط الحقيقة

ينتهي المشهد ويغلق الستار ولا يصفق أحد”

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 Non-Binary ناد سلام… كاتبـ/ـة وعابر/ة غير منتميـ/ـة للثنائية الجندرية 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: