امرأة الغرفة 811

كتبت: مهى محمد

أحاول أن أتخيل ما يدور في رأس امرأة الرووم سرفيس الفضولية والغلبانة في ذات الوقت، وهي تنظر إلى الأغراض المبعثرة هنا وهناك. هل من يشغل هذه الغرفة امرأة أم رجل؟

استيقظ من النوم لا أفهم شيئًا. انظر إلى المرآة. فأرى الديسفوريا تحملق في بعينين حمراويتين، تكرهني هي أعرف هذا، تتمنى موتي، ولها الحق. أعد القهوة لكي أعي من أنا وأين أكون. ومع القهوة تتضح الرؤية شيئًا فشيئًا، نعم إنني في غرفة فندق ما وحدي، في مدينة بيروت، وليس لدي ما أفعله حتى المساء. هذا عن سؤال “أين أكون؟” أما عن سؤال “من أنا؟” فهذا ليس بالسؤال السهل على الإطلاق. حتى القهوة لن تساعد في الإجابة عليه.

يضايقني شعر وجهي مثلما يضايق أغلب النساء. أبدأ في إزالته. أو بمعنى أصح، أبدأ في حلاقة ذقني! أراك مندهشا أو ممتعضا أو ربما تضحك، امرأة تحلق ذقنها!! لكن فلتندهش أو تمتعض أو تضحك مثلما تريد، فلن يمنعني هذا من حلاقة ذقني. بدأت في ارتداء ملابسي. ملابس بسيطة، ليست ملفتة، أو حتى أنيقة، لكنها ملابس نسائية بشكل واضح لا يقبل اللبس. لن أذهب أبعد من التمشية قليلا حول الفندق على كل حال، شراء بعض الحاجيات الضرورية والعودة سريعا، فلن أجرؤ على الذهاب خارج المنطقة الآمنة من دون أصدقائي. ولو أجبرت نفسي الآن على الخروج بهيئة ذكورية سوف تلتهمني الديسفوريا باقي اليوم، لا، لن أفعل هذا بنفسي، فلتلتهمني أعين الناس، ذلك أرحم.

حاولت عبثًا إخفاء معالم الذكورة بمساحيق التجميل، لكنها ظلت هناك، أنا لست قبيحة أعلم ذلك، وربما أبدو جذابة لأول وهلة، لكنك ما أن تقترب مني حتى تدرك أنني عابرة جنسيًا. وليس هذا هو التعبير الذي سوف يأتي على ذهنك غالبًا “عابرة جنسيًا” (إلا إذا كنت تفهم ماذا يعني وهذا أمر نادر) ما سوف يأتي على ذهنك في الغالب تعبير آخر أسوأ بكثير، موجع ومهين.

لم تكن تلك هي المرة الأولى لي في الواقع التي أظهر فيها بهويتي الحقيقية كامرأة، لكنها كانت أول مرة أخرج فيها للشارع بكامل هيئتي كامرأة.. وحدي.

ارتديت نظارة الشمس التي تلتهم نصف وجهي، عازمة ألا تلتقي عيناي بعيني أي مخلوق على الإطلاق. وانطلقت في طريقي بخطوات جادة كالجندي في طابور المشاة. قلبي يكاد يقفز من صدري من فرط التوتر، أطرافي ترتعد، ولكن، لم يعطي القدر الفرصة لأفكاري ومخاوفي لكي تلتهمني، فبعد خطوات قليلة سمعت صوت كلاكس سيارة ما بجواري يزعق ملحًا، نظرت نحو الصوت فوجدت سيارة تسير ببطء بمحاذاتي، ينظر سائقها إلي نظرة ذات مغزى تقول: “طب إيه!”. نعم عزيزي القارئ، لقد حصلت على أول محاولة شقط بعد أقل من عشرة أمتار من حياتي كامرأة. نظرت له أنا أيضًا بدوري نظرة ذات مغزى تقول: “إنت أهبل؟!” لكن يبدو أنه كان أهبلًا بالفعل، فلقد ظل ورائي ملحًا ولم ينقذني منه سوى وصولي للسوبر ماركت.

شعرت بمزيج من المشاعر المختلطة، التي لم اتوقف كثيرا لكي افض اشتباكها، فلقد كان علي التعامل على الفور مع السوبر ماركت، نسيت كل ما كنت أريد أن أشتري، لعنت نفسي لأني لم أكتبه مسبقًا في ورقة، ظللت اتمشى في أروقة السوبر ماركت محاولة أن أتذكر ما جئت من أجله، بينما لا اتبادل النظر مع أي مخلوق كما قررت مسبقًا، وأثناء وقوفي أمام منتجات الألبان في محاولة أن أعرف الفارق ما بين اللبن والزبادي، اقترب مني طفل صغير يتطلع إلي في فضول، ثم ابتسم لي ابتسامة عذبة بلهاء، بادلته نفس الابتسامة العذبة البلهاء، حتى جائت أمه مسرعة تخطفه من جواري ناظرة إلي بامتعاض كأنها تنظر إلى بالوعة بلا غطاء. جمعت أشيائي بصعوبة بالغة، بينما نسيت أهمها، وانتظرت دوري أمام الكاشير، تطلعت إلي امرأة الكاشير في البداية بقرف واضح، ولكن تعاملي الصارم والمهذب معها، ونظراتي الثابتة المتحدية اربكاها، فتحولت نظراتها بالتدريج من القرف إلى الخجل. دفعت حسابي وخرجت مباشرة دون أن ألتفت، وعدت مسرعة على الفور -دون أن يحاول أحدهم أن يشقطني هذه المرة- إلى غرفتي الآمنة.

في الغرفة، جائتني امرأة إفريقية شابة تعمل بالفندق، لكي تراجع الأشياء الموجودة بالغرفة أو شئ من هذا القبيل، كنت أرتدي وقتها ملابس منزلية لا تدل على هوية محددة. تجاذبت معي أطراف الحديث، وأبدت إنجذابها بوضوح نحوي، محاولة أن تشقطني هي الأخرى. فأجلستها وقدمت لها مشروبًا ولنفسي مشروبًا وجلست أنا الأخرى بجوارها، عرفتها بنفسي وتعرفت عليها، ثم شرحت لها بهدوء هويتي، وحكيت لها قصتي بالكامل، ترقرقت عيناها بالدموع واحتضنتي، تأثرت بدوري كثيرًا، فلم تكن محاولة للشقط هذه المرة، بل كان تعاطفًا إنسانيًا رقيقًا ومؤثرًا. قالت لي أننا أصدقاء وأنني يجب أن أحدثها إن احتجت أي شئ، ثم غادرت دون أن تشقطني. جائتني بعدها مباشرة إحدى عاملات النظافة الآسيويات ، مصطحبة معها إحدى عاملات النظافة الآسيويات الأخريات بحجة تقديم الشيكولاتة لي ترحيبًا بي، ولكنني فهمت الحقيقة على الفور، لقد جائت بها لكي تفرجها على هذا الكائن الغريب غير معلوم الهوية، نعم، فنحن في سيرك، علي أن أجعل الفرجة علي بتذاكر بعد الآن.

في المساء، اصطحبتني إحدى صديقاتي الغير عابرات إلى إحدى المكتبات لشراء بعض الكتب، رحب بنا صاحب المكتبة الذي يعرفها مسبقا في بشاشة وحبور حتى تنبه إلى كوني مختلفة. فتحولت بشاشته إلى مزيج من الدهشة والامتعاض، ما الذي أتى بذلك المخنث إلى مكتبتي؟ ما الذي يذهب به إلى أي مكتبة عمومًا؟!. تضاعفت دهشته وقل امتعاضه حين بدأ يكتشف أنني على دراية واسعة بالكتب وبالكتاب. تضاعفت دهشته أكثر عندما قالت له صديقتي أنني كاتبة، شعرت بها من خلف ظهري أثناء بحثي في الكتب تبرق له قائلة “هي أيضًا كاتبة” مؤكدة على “هي”.. هي.. هي كاتبة. في نهاية اليوم كان يتعامل معي بأريحية تامة.. وباحترام.

ليلًا. وأثناء السهر مع أصدقائي بأحد البارات، وقفت معهم أثناء رقصهم على أنغام إحدى الفرق، لا أحب الرقص عادة ولا أحب الصخب، لكنني لم أكن أريد أن أظل وحدي بالطاولة. أثناء وقوفي لاحظت زوجين رجل وامرأة ينظران إلي ويضحكان. نظرت لهما بتحدٍ، خجلت المرأة وأطرقت، بينما ظل الرجل ينظر إلي بابتسامة ساخرة لزجة، ظللت أبادله النظرات المتحدية حتى انهرت تماما، وعدت مسرعة إلى الطاولة لكي أبكي وحدي دون أن يلاحظ أحد.

 أحاول أن أتخيل ما يدور في رأس امرأة الرووم سرفيس الفضولية والغلبانة في ذات الوقت، وهي تنظر إلى الأغراض المبعثرة هنا وهناك. هل من يشغل هذه الغرفة امرأة أم رجل؟!. هي تعرف بالطبع أنه شخص واحد، وسوف تفكر كثيراً بكل تأكيد، وسوف تصل في النهاية لاستنتاج وحيد، محير وحزين: أن من يعيش في الغرفة رقم 811 هي امرأة لا محالة، لكن يبدو أن هناك رجل ما يسكن معها بشكل أو بآخر، ويبدو جلياً أنها غير سعيدة بوجوده على الإطلاق.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهى محمد… كاتبة وعابرة جنسيًا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: