ترانسات Transat

الجندر جندرنا

تجليات عابرة

أعيننا التي بالمرآة

106100870_876507356166688_8006199404407500609_o

 

كتبـ/ـت: مصطفى جوته

تحرير: مايا أنور

 

أُدعى … لايهم. أمتلك الكثير من الأسماء، كلها أنا وكلها لي، شاءت الظروف أن أكون دائماً من تلك الأطياف التي همّشها المجتمع وهمّشتها حتى تلك الأقليات التي تنتمي لها. أنا مصري/ة أعيش في إحدى تلك المدن النائية عن المدن المركزية، وفي مصر كما يعلم المعظم؛ من لم يكن من تلك المدن يكون في نظر ساكنيها  فلاحاً أحمق جاءت به البقرة من دبرها، وكانت هذه بداية التهميش. فالناس في مسقط رأسك لا يرونك أبداً شخصاً ينتمي إليهم، وفي المدن الأكبر قليلاً، لا ينظر الناس إليك إلا على أنك قروي ساذج بهرته أضواء المدينة التي لن تحتاج الكثير من الوقت لتسحقه كما سحقت الكثيرين من قبله. أما عن الطبقة الاجتماعية فلم يختلف الأمر كثيراً، فأنا ابن/ة الطبقة المتوسطة التي يراها الفقراء وقوداً للرأسمالية وسبباً لإستمرارها، بينما يراها الأغنياء أنها الطبقة التي حرّضت الفقراء والرعاع  ليثوروا عليهم  وينهبوا أموالهم. حتى جسدي، شاءت الوراثة أن يحمل جميع إخوتي الصفة السائدة وظفرت أنا بصفة السمنة المتنحية، فأنا أملك جسداً أشبه بجسد ذلك الغول مُخاطي اللون المدعو “شريك”، ربما اكون اًقل قبحاً منه، ولنتغاضى عن هذا الجزء، فجميعنا نعلم ما يتعرض له الأشخاص أصحاب الوزن الزائد.

حتى الآن، كل هذه الأمور قد تكون معتادة، بل ربما قد يظن الكثيرون خطأً أنها طبيعية، لكن، ما قلَب حياتي رأساً على عقب، حين بدأت أفهم كينونة هويتي الجنسية والجندرية، فأنا لست ذكراً ولست أنثى. ربما قد يفاجئك هذا، ففي عالمنا لم يستطع المعظم إلا أن يروا الكون مقتصراً على نوعين، نوعين فقط من كل شئ (أنثى – ذكر، خير – شر، أبيض – أسود، نور – ظلام). للأسف، لم يكن بإمكان الكثير أن يروا ما بين السطور، فليس الكل قادراً على استيعاب أن هذا الكون أعقد بكثير من أن يكون ثنائي البُنيان، ولهذا يكرهنا الكثيرون، لهذا يهلعون منا، لهذا يهاجموننا، ويقتلوننا، ويُهجّروننا من أوطاننا، فنحن العابرون/ت الغير تابعين/ت للثنائية الجندرية قد صفعْنا وجه العالم ليرى حقيقة أن ما كان مقتنعاً به منذ مئات السنين ليس سوى هراء.

ليس من السهل أن تكون/ي منتمياً/ة لأي من الأقليات في مجتمع كهذا، ولكن حاول/ي عزيزي/تي أن تعيش/ي يوماً واحداً كعابر/ة، وحدثوني بعدها عما ستواجهونه من معاناة. لا أقول هذا بغرض المزايدة على أحد أو تسفيه آلام غيري، لا أقصد هذا إطلاقاً، ما أعنيه هو أن الامتيازات تمتد حتى في المعاناة. ولكن لماذا يجب أن نعاني؟ لماذا يجب أن نختبئ ونتوارى خوفاً من أذى الآخرين غير المبرر؟ لماذا لا نمتلك حياة اجتماعية مستقرة؟ ولماذا لا نمتلك أي حياة حتى؟ هذا ما أفتح عليه عيناي في كل وقت، بعد كل غفوة قصيرة، وثُبات طويل بفعل الأرق. إنها تساؤلات منطقية رغم كل شيء، فمن منا لا يريد أن يعرف لماذا يحدث هذا كله؟

من منا لا يعاني؟ الجميع يعاني، الجميع لديه مأساته الخاصة، هذا صحيح، لكن ما نتعرض له مختلف، معاناتنا تختلف، ومآسينا أيضاً تختلف. نحن نحارب ذلك المجتمع الأصولي، المحافظ، المتطرف في معظم الأحيان والذي يرانا دائماً وأبداً في مرتبة أقل من البشر ويبيح قتلنا وحرقنا وسجننا، ليس لشيء وإنما لحاجتنا لأن نصالح أجسادنا على عقولنا، نحارب أطباء مُدلثين أصرّوا عمداً على غض الطرف عن كل ما يقوله العلم الذي جعل منهم أطباء في المقام الأول فقط لتعارضه في نظرهم مع قناعاتهم الدينية وأهوائهم الشخصية، نحارب نقص علاجنا الهرموني أو انعدامه وما قد يترتب على ذلك من مشاكل صحية ونفسية، نحارب رجال دين ظنوا أن الله لم يهدِ سواهم، وأنه قد أعطاهم هم وحدهم صكوك الغفران وأختام الحلال والحرام، نحارب تلك الذكورية المقيتة المتأصلة في عقول تلك الأقليات الجنسية التي ننتمي لها قبل عقول العوام من الناس، تلك الأقليات التي رغم ما تواجهه من تمييز وتهميش، ازدراء وعنصرية، قولبة وتنميط، لا يجد البعض منها غضاضة في إعادة إنتاج تلك الأفعال تجاهنا، وهي نفس الأقليات التي سيتهمني جزء ليس بقليل منها الآن بمحاولة شق الصف، وزعزعة إستقرار نضالنا الكويري، وتكدير السلم العام لمجتمعنا الكويري اليوتوباوي الجميل المضيء بألوان قوس قزح والخالي من المشاكل. وقبل هذا كله نحارب أنفسنا، أهلنا، ودوائر معارفنا، وفوق كل ذلك، الديسفوريا؛ ذلك الوحش المتربع على أعتاقنا ليُذكرّنا دائماً بأننا لن نكون كما نريد أبداً، ذلك الكيان السادي الذي يتلذذ بآلامنا، وينشط بنظرات الاستفهام في عيون الآخرين ونظرات أعيننا لنا من المرآة كل صباح. 

ترى، هل هواجس الديسفوريا تلك تنتابني وحدي؟ 

لما لا، بل ربما أعطي هذه التساؤلات صيغة الجمع للتحايل علي نفسي حتي لا أشعر بأنني أعاني وحدي، وأن هناك الكثيرون/ات مثلي ممن يخافون النظر في المرآة حتى لا تنظر إليهم أعينهم من المرآة بكراهية كما تفعل عيناي. الشرخ في المرآة يقسمني نصفين، حتى مرآتي تراني بنفس الصورة النمطية التي يراني بها الناس، مجرد رجل وامرأة جمعهم جسد خنيث. أهرب من مرآتي دائماً وسط سحب الدخان وأنهار اليانسون التي أسبح فيها كبديل عن العلاج الهرموني الذي لا أقدر على أن أبدأ فيه أو أن أتحمل ما يترتب عليه من نتائج في الوقت الحالي، عشت كثيراً أحاول أن أتبع القطيع وأغرد داخل السرب، كنت دائم الخوف من هويتي ومن هذه الأدوار الجندرية الكثيرة القابعة بداخلي، كنت أجاهد كي أبدو أنثى، وأكافح كي أبقى رجلاً. 

حاولت كثيراً أن أبقى في أحد الأدوار الأقرب لي والتي قد تكون طبيعية قليلاً وفق معايير المجتمع البلهاء، لكنني لم أقدر. ورغم ما قابلته من تنمر بسبب جسدي وهويتي الجندرية ومحاولاتي المستميتة في إبقاء أحد أدواري الجندرية والتنازل عما سواها، لم يحدث شيء، لم تتغير هويتي، لم أتبع الثنائية الجندرية، لم أتغير، بقيت كما أنا، وسأبقى دوماً. لن أكون أبداً تابعاً لمعاييركم، لن أغرد في سربكم أبداً.

لا أكتب هذا الآن بغرض استجداء بعض العاطفة أو حتى القليل من دعم ومؤازرة البعض، لكنني أردت أن أؤكد على أن هذا الهامش الذي وضعتمونا فيه قسراً سنحوله نحن لمركز مقاومة. سنظل جزءاً أصيلاً وجوهرياً من هذا الكل ولن يغير أي شيء تلك الحقيقة، لن نصبح أبداً ذلك الآخر الذي يتحدث عنه المفكرون/ات والمناظرون/ات والمدافعون/ات عن الحقوق والحريات، ذلك الآخر الذي يقصُّون معاناته وكأنهن/م يمتلكونها، كأنهن/م عاشوها وكأنها حدثت لهم. نحن المعنيين بالأمر، نحن من نواجه هذا كله، نحن من نقف وسط وابل رصاص الظلم والتمييز والعنصرية والحرمان بصدور عارية، ورغم كل هذه الثقوب الدامية في أجسادنا، سنكمل ما بدأناه، فنحن موجودات/ون، هويتنا لنا، وما نطالب به حقنا ولن نتركه أبداً. إن ما ترفضون رؤيته ظاهراً لا محالة هي هوياتنا، ولا يحق لأي كائن أن يُملي علينا الهوية التي يراها مناسبة لنا أو الأكثر معيارية، لن نسمح لأحد أن يطمس هوياتنا بعد الآن.

 

____________________________________

مصطفى جوته: كاتبـ/ـة لا ثنائيـ/ـة الجندر

العمل الفني: Non-binary لباريس هرنانديز

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: