لم تكن حملتنا “فرصة عادلة” مجرد فكرة؛ بل وُلدت من تجربة حقيقية وموثقة لامرأة عابرة تم استبعادها تعسفيًا من عملها، رغم التحاقها بشركة دولية تُعلن التزامها بالتنوع وحقوق الإنسان.
رغم أن العمل من الحقوق الأساسية لكل فرد، لكن يظل العابرون والعابرات جندريًا من أكثر الفئات تعرضًا للإقصاء من سوق العمل. لا يعود ذلك إلى نقص في الكفاءة أو المؤهلات، بل إلى نظام عمل لا يتقبل اختلاف الهويات الجندرية، ويعيد إنتاج العنف ضد من لا يتطابق مع ما يعتبره “نموذجيًا”.
كثير من العابرين والعابرات يُرفضون في مراحل التوظيف المبكرة لأسباب غير مهنية، مثل الاسم الرسمي في البطاقة، المظهر الخارجي غير النمطي، أو استخدام ضمائر لا تتماشى مع التصورات التقليدية للجندر. هذا الرفض لا يُذكر علنًا، لكنه حاسم.
في العديد من الدول (بما في ذلك بلدان في منطقتنا)، لا توجد قوانين واضحة تحظر التمييز على أساس الهوية الجندرية، بل أحيانًا تُستخدم القوانين نفسها لقمع الأشخاص العابرين/ات، مما يُنتج بيئة قانونية طاردة للعابرين/ات من القطاع الرسمي للعمل.
لا يُمارس العنف الاقتصادي ضد العابرين والعابرات فقط من خلال التجاهل أو الإقصاء الفردي، بل غالبًا ما يأتي في صورة أكثر تعقيدًا وعمقًا: عنف اقتصادي مقنن، أي عنف تُشرعنه القوانين وتطبّقه السياسات الرسمية والمؤسسات، فيُصبح جزءًا من البنية الاجتماعية ذاتها.
يبدأ هذا العنف حين لا تضمن قوانين العمل حماية من التمييز على أساس الهوية الجندرية، أو عندما تفشل مؤسسات الدولة في تسهيل إجراءات تغيير الوثائق الرسمية للأشخاص العابرين، ما يجعلهم عُرضة للرفض والتشكيك والوصم داخل بيئات العمل. وتكمن خطورة هذا العنف في كونه غير مرئي في كثير من الأحيان، لأنه لا يُمارس دائمًا بشكل صريح، بل يتغلغل في الأنظمة البيروقراطية، والقرارات الإدارية، والهياكل المؤسسية التي تدّعي الحياد. مما يؤدى إلى إقصاء ممنهج لفئة كاملة من الوصول إلى فرص عادلة في التوظيف، مما يدفع العديد منهم/ن إلى اللجوء لأعمال غير آمنة، بدون حماية قانونية أو استقرار مادي. وهكذا يتحول الحق في العمل من أداة للتحرر، إلى معركة يومية من أجل البقاء.
يُجبر كثير من العابرين والعابرات جندريًا على العمل في مهن غير آمنة، ليس لافتقادهم للكفاءة أو الرغبة، بل لأنهم يُقصون من سوق العمل الرسمي بسبب هويتهم الجندرية. هذه الأعمال – كالمهن المؤقتة، والعمل الجنسي، والعمل المنزلي دون عقود، أو البيع في الشوارع – تفتقر إلى أدنى مستويات الحماية القانونية والاجتماعية.
في ظل غياب العقود والتأمين، وتحت تهديد دائم بالفضح أو الطرد أو الاستغلال، يتحول مصدر الرزق إلى ساحة خطر دائم. هذا النوع من التهميش لا يُعد فقط إقصاءً اقتصاديًا، بل هو عنف ممنهج يفرض الفقر واللااستقرار على فئة كاملة، ويكرّس هشاشتها في جميع نواحي الحياة.

البطالة في صفوف العابرين والعابرات جندريًا لا يمكن فهمها بوصفها نتيجة لضعف المؤهلات أو نقص في المهارات، بل هي نتاج مباشر لتمييز ممنهج يُقصيهم من سوق العمل الرسمي. فحتى مع امتلاكهم للشهادات والخبرات، يواجه كثيرون/كثيرات رفضًا من جهات التوظيف بمجرد أن تُفصح هويتهم الجندرية، أو يظهر عدم “مطابقة الشكل للهوية الرسمية” في المقابلة الشخصية أو الأوراق. هذا النوع من الإقصاء لا يُعاقب عليه القانون في أغلب الدول، ما يجعل التمييز ممارسة عادية ومقبولة ضمنيًا في سوق العمل.
في ظل هذا الواقع، تصبح البطالة المفروضة على العابرين والعابرات شكلًا من العنف الاقتصادي البنيوي، يُضاعف من هشاشتهم الاجتماعية والنفسية.
إن معالجة البطالة في هذه الفئة لا تبدأ فقط بتوفير فرص عمل، بل تتطلب الاعتراف أولًا بأن الهوية الجندرية لا يجب أن تكون معيارًا للإقصاء، بل دافعًا لضمان عدالة شاملة في فرص العمل.

رغم أن الحق في العمل مكفول نظريًا في الدساتير والمواثيق الدولية، إلا أن الواقع يؤكد أن غياب سياسات مؤسسية وقوانين صريحة تضمن الحماية من التمييز الجندري يجعل العابرين والعابرات خارج معادلة العمل الآمن والعادل. كثير من الشركات والمؤسسات تدّعي الحياد أو دعم التنوع، لكنها لا تمتلك إجراءات واضحة لمساءلة التمييز، ولا توفّر تدريبًا حقيقيًا للعاملين حول الهويات الجندرية. النتيجة؟ تمييز ناعم ومستمر يُقصي العابرين/ات من التوظيف أو يخلق بيئات طاردة وغير آمنة نفسيًا ومهنيًا.
العدالة الجندرية في سوق العمل لا تتحقق بالشعارات، بل بسياسات واضحة، وبنية مؤسسية تُحاسب وتُدرّب وتُشرك الجميع.
الأرقام لا تكذب…
العابرون والعابرات يواجهون تمييزًا منهجيًا في سوق العمل عالميًا، وفي المنطقة.
إليكم بعض الإحصائيات التي توضّح حجم المشكلة.









قدّمتُ على وظيفة في شركة دولية كبيرة تُعلن أنها تدعم التنوع والهويات الجندرية المختلفة. بعد قبولي مبدئيًا، صارحت الإدارة بوضعي كامرأة عابرة، فتغيّر كل شيء. بدلًا من الترحيب، وجدت نفسي أمام سلسلة من الأسئلة الشخصية المهينة عن تفاصيل عبوري الجندري، وكأن هويتي شأن داخلي للشركة وليست حقي الإنساني.
فرضوا عليّ شروطًا قاسية: منعوني من استخدام حمامات النساء، وأخبروني أن عليّ استخدام حمامات الرجال. لكن بعد أن رآني الفريق وتفاجأوا بأن مظهري الإجتماعى إمرأة، قيل لي إنني أيضًا لا أستطيع استخدام حمام الرجال لأن شكلي “بنت”! أي أنني حُرمت من الحق الطبيعي في استخدام أي حمام بشكل آمن.
اسمي الثبوتي كان مُسجلاً في النظام وأجهزة الشركة وحتى بطاقة الدخول. اضطررت لاستخدام اسم مشابه له فقط لكي أتمكن من التعامل مع البرامج والمهام اليومية، لكن الفريق كان يتعمد مناداتي بالاسم الثبوتي “عن قصد” وكأنهم يتظاهرون بالارتباك، في محاولة متكررة لإلغاء هويتي.
في أول يوم تدريبي، اكتشفت أن الإدارة عقدت اجتماعًا سريًا مع الفريق في غيابي، أخبروهم فيه أنني “لست امرأة”، وأن وجودي معهم مجرد إلزام من سياسات الشركة. وحرضوهم ضدي: إذا لمست أحدًا يمكنهم الشكوى، وإذا دخلت حمام النساء عليهم إبلاغ الإدارة فورًا. لقد تم تسريب تفاصيل شخصية عن حياتي دون إذني، وزُرع خطاب كراهية وتحريض ضدي منذ البداية.
عشت أيامي الأولى في عزلة وصمت. كنت أمتنع عن الأكل والشرب حتى لا أضطر لاستخدام الحمام، فأصبت بأزمة صحية. بعد معاناة طويلة، سمحوا لي باستخدام حمام في سطح المبنى بالدور الأخير، بعيد جدًا عن مكان عملي، وكان وقت الاستراحة لا يكفي للوصول إليه. ومع مرور الوقت، بدأت التعليقات الساخرة والتنمر من الزملاء يتزايد.
وبعد عدة أيام، دخلت إلى حمام النساء للحظات فقط للحصول على منديل، فتم استدعائي والتحقيق معي وتهديدي بالمساءلة إذا تكرر الأمر. وبعدها مباشرة، فوجئت بإخباري أنه تم الاستغناء عني بحجة “ضعف المستوى”، وهو ادعاء غير حقيقي.
عندما واجهت الإدارة بخصوص الاجتماع السري وتسريب بياناتي، أنكرت تمامًا، رغم أن زميلاتي أكدن لي ما جرى. لم يُسمح لهن بالشهادة، وتم تجاهل الحقيقة. وعندما حاولت التصعيد إلى المستويات الأعلى، كان الرد الصادم أن هذا “اختياري” وعليّ أن أتحمل تبعاته لأن المجتمع “شرقي محافظ” لا يقبل مثل هذه الحالات.
حتى الشكاوى الرسمية التي رفعتها للشركة الأم خارج مصر قوبلت بالمماطلة. تم إخباري أن التحقيقات سرية ولا يحق لي معرفة نتائجها، وبعد وعود كثيرة انتهى الأمر إلى لا شيء. والأسوأ أنني أُدرجت على “قائمة سوداء” ومنعت نهائيًا من العودة للعمل داخل الشركة.
ما حدث لم يكن مجرد تجربة عمل سيئة، بل كان سلسلة من الانتهاكات الصريحة:
- تسريب بيانات شخصية دون موافقتي.
- التمييز في حقي باستخدام المرافق.
- فرض اسم لا يعكس هويتي والتعمد في استخدامه ضدي.
- خطاب كراهية وتحريض علني من الإدارة.
- تنمر يومي من الفريق.
- فصل تعسفي وحرماني من حقي في العمل.
هذه التجربة كشفت لي التناقض الصارخ بين الشعارات اللامعة عن “التنوع والدمج”، وبين الممارسات الفعلية التي تنتهك أبسط حقوق الإنسان، وتدفع الأشخاص العابرين ثمنًا باهظًا لمجرد أنهم يعيشون حقيقتهم.



من خلال استمارة حملة “فرصة عادلة”، تلقّينا شهادات مؤلمة لعابرين وعابرات جندريًا واجهوا أشكالًا متعددة من التمييز والعنف في أماكن العمل. هذه ليست مجرد قصص فردية، بل توثيق لحقيقة يعيشها كثيرون في صمت.

فرصة_عادلة#