ناد سلام يـ/تكتب: عناق طويل فوق البرزخ

أتذكر أول “هزة” شرقية ارتعش بها خصري فرحًا، أتذكر أول اعتراض صريح على هذه الكارثة الطبيعية من قِبل جدتي: “أنت رجل والرجال لا يرقصون”. سكنت منزل عموده التخبط ونوافذه هروب طفلـ/ة لعائلة فقيرة فى حارة تختنق بتجار المخدرات والمتنمرين والمتدينين، يعبر شوارعها نساء يسرق ألوانهن السواد، يتنقلن وفى أيديهن حافظات الشاي من منزل إلى آخر، يتشاركن نميمة فترة العصر. لم تكن والداتي من هواة جلسات “حريم الحارة”، ليس لديها شيء لتتباهى به، زوجة لرجل مدمن ومتعثر، امرأة معنّفة، رأت الكثير من الأهوال، جدي وجدتي لا يتحدثان لغة العناق معها، ولكن تعلمتها من أجلي، حضن أمي كان الملاذ الدافئ لي، ولم يكن لها مأوى وسط كل هذا الشتاء غيري، جديلتها الطويلة تحتضن وجهها الدائري كاحتضان الليل للقمر، لطالما أخبرتني عن أحلامها الموؤدة، كانت تراني المنفذ الوحيد لأن تحلم من جديد، فى مكان تكثر فيه الأقفال وتشح الحياة بالأبواب والنوافذ إلى أمل جديد

نافذتي كانت تطل على حائط آخر، وروحي تخترقها خيوط النور المتمردة على عتمة المكان. أسفل هذه البناية العجوز يوجد دكان صغير، مليء بالسكاكر الملونة والمثلجات، يتوسطه بائع باكستاني يشبه سانتا كلوز، له شامة كبيرة أسفل جفنه، ولحية بيضاء تمتد إلى ما يقارب سرته. وفوق البائع “عبداللطيف” حبل أصفر تتدلى منه العرائس، يرتدين تنانير قصيرة مزركشة، يزينها شعر أشقر بلاستيكي يتوجه شريطة زهرية. وعلى عكس الدمى، شعري أسود قصير، وبشرتي حنطية. الرجال لا يرقصون! وهم كذلك لا يرتدون التنانير، ولا يتخلل قمصانهم الزركشة والبهارج. ولكن لدى قلب مطرز بالأزهار، وأعين ترى الزهري فى كل هذه الزرقة، وأحلام نهارية ارتدي فيها فستان جميل، كالتي ترتديه العرائس، وصورة لا تطابق انعكاسي فى المرآة، ولكنني أرسمها فى خيالي كل ما أردت الإبتسام

كنت أصلي كل ليلة لكي أصبح ذلك الطيف الذي خلقته، كنت أصلي لكي أصبح جميلًا، ولم أدري لماذا لا يشعر الطفل الذي كنته بالجمال! لم أعرف أبدًا ماهي الحدود التي يجب أن تكون الفارق بين الفتى والفتاة، لكن تعلمت منذ أن وجدت أنه من الممنوع علي عبورها، فاكتفيت بالوقوف عند هذا الحاجز اللامرئي، أحدق للجانب الآخر، أسير بجواره دائمًا كقطارين متوازين لا يلتقيان أبدًا، ولا يصلان إلى محطة النهاية أبدًا. يرافقني ذلك الشبح، معي وليس معي، يقف بين حدود العالمين، له ملامح خنثوية وعنق طويل يلوح مبتسمًا، يطفو فوق البرزخ الذي يفصل عالمي وعالم الدمى وأحمر الشفاة، اقترب منه فيزداد بعدًا كالسراب، ابتعد عنه فيصبح حقيقة حتى أكاد ألامسه، اتمنى أن أعانقه، عناقاً طويلًا لا ينتهي، تمتد أصابعي إليه كلما نمى جسدي الهزيل، لكنه يظل بعيدًا كصندوق مساحيق تجميل والدتي أعلى الخزانة، قريبًا كصدى صراخ والدي فى كل زوايا المنزل، وبين المحسوس والوهم مازلت أتعلم الرقصة التي نهتني عنها جدتي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ناد سلام… كاتبـ/ـة وعابر/ة غير منتميـ/ـة للثنائية الجندرية

رأي واحد حول “ناد سلام يـ/تكتب: عناق طويل فوق البرزخ

اضافة لك

  1. كنت أصلي كل ليلة لكي أصبح ذلك الطيف الذي خلقته
    شكرا يعني علي المقال الجميل جدا , مها الجميلة وريتهولي من قبل , شكرا للكاتب\ة
    شكرا حقيقي علي الاحساس ده

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: